أخبار اليوم

الخميس، 28 يوليو، 2011

اللغة العربية والقداسة وسؤال البقاء

يكتسي الحديث عن مستقبل اللغة العربية أهمية خاصة تعود بالأساس إلى مجمل التحديات التي تواجهها في ظل التحولات التي يشهدها العالم المعاصر، وعلى رأسها العولمة في بعدها الثقافي، من هنا إذن يصبح السؤال التالي مشروعا: كيف نحمي اللغة العربية ونضمن استمراريتها في ظل هذه التحديات؟؟.
بداية، وقبل أن ندخل لصلب موضوعنا لابد أن نسجل أن الانخراط في هذا النقاش –برغم أهميته- محفوف بمعيقات/مخاطر عدة، تعود أساسا إلى كون اللغة هنا ليست مجرد أداة تواصلية بين مجموعة من الأفراد والجماعات، ولمتها ذات حمولة تاريخية وسوسيولوجية وأيديولوجية مهمة، أو لنقل باختصار إنها إحدى الجوانب الأساسية المشكلة لهوية الأفراد والمجتمعات. ومن هنا يكتسي سؤال البقاء شرعيته.
في محاولتنا المتواضعة للإجابة على هذا السؤال لابد من الإشارة إلى أن أي محاولة في هذا الصدد ستبقى قاصرة إذا لم تضع يديها على مكامن الخلل الأساسية، وهو ما لا يمكن أن يتم إلا بإعادة قراءة تاريخ اللغة العربية، ولسنا نزعم القيام بهذا الأمر في محاولتنا هذه بقدر ما سنحاول الإشارة إلى المحطات الكبرى التي أفرزت لنا هذا التقهقر الذي شهدته اللغة العربية.
لقد شهدت اللغة العربية خلال القرون الثلاثة الأولى بعد الهجرة طفرة نوعية، أفرزت ميلاد حضارة إسلامية قادت مشعل الحضارة الإنسانية، قبل أن تتوقف فجأة، وتصبح مجرد تابعة للغات أخرى، ولفهم سر هذا التحول الخطير لابد لنا أن نعود إلى أربع لحظات أساسية، الأولى: تأسيس بيت الحكمة على عهد المأمون، أما الثانية فهي بيان الاعتقاد القادري، أما الثالثة فهي عصر الانحطاط التركي، والرابعة هي ما بعد الحروب النابليونية إلى الفترة المعاصرة لنا.
لقد أدت اللحظة الأولى إلى دخول اللغة العربية آفاقا أخرى جديدة، باحتكاكها "بعلوم الأوائل"، فأصبحت اللغة عربية شكلا، أما مضمونا فقد جمعت منابع عدة، أدت مع مرور الوقت وتوسع الصراعات الأيديولوجية، إلى ميلاد حضارة عربية أصيلة شكلا ومضمونا، بعد أن قامت بتبيئة علوم وثقافات الحضارات الأخرى، وتحررت من قوالب القداسة التي صنعها رجال الدين، لقد كان لعملية التحرير هذه كبير الأثر في ميلاد الحضارة العربية الإسلامية، قبل أن تأتي اللحظة الثانية.
لقد شكل بيان الاعتقاد القادري ضربة حقيقية وعميقة للأسس التي قامت عليها الحضارة العربية الإسلامية، فهو يتجاوز كونه مجرد بيان سلطاني ناصر القائلين بعدم خلق القران، ضدا على التيار القائل بخلقه، إلى كونه أسس لثقافة التكفير والتضييق على الاجتهاد، بعدما سحب البساط من تحت أقدام الفكر، ليعود صوب الفقهاء، لقد أصبحت اللغة العربية بعد هذه اللحظة أداة لخدمة الاستبداد، وحشو العقول بالحقد على المعرفية العلمية والعقلانية، من خلال إرجاع اللغة العربية إلى أسر المقدس عبر ربط ميكانيكي بينها وبين النص الديني من خلال عملية التقعيد، والتي انبنت أساسا على الموروث الفقهي، وبالتالي تحولت اللغة العربية إلى خدمة المقدس، من خلال الإعلاء من شانه عبر عمليات كتب المناقب...الخ.
لقد مهدت هذه اللحظة الطريق للحظة الثالثة ونقصد هنا عصور الانحطاط بعد الدخول العثماني للأراضي العربية، حيث قامت الإمبراطورية العثمانية ولأسباب سياسية بأسر اللغة العربية داخل المقدس، تفاديا لما يمكن أن يثيره خروج اللغة العربية من هذا الإطار المرسوم لها.
ثم جاءت لحظة الاستيقاظ العربي على دوي مدافع نابليون بونابرت، وما تلاها من حملة امبريالية على إرجاء هذه النقطة الممتدة من المحيط إلى الخليج، وما أفرزته من ردات فعل، حضرت اللغة العربية فيها باعتبارها مثخنة بجراح التخلف والاستعمار، لقد كان الإحباط الذي وجدت الذات العربية نفسها فيه، أثره العميق على اللغة العربية، وقد كان الموقفين السائدين هما، الأول موقف يدعو إلى تجاوز اللغة العربية أو على الأقل حصرها في المجال الديني، أما الموقف الثاني فقد لخص الوجود العربي في اللغة، منطلقا من كونها لغة القران، وبالتالي عادت اللغة العربية لترتمي في أحضان القداسة بشكل أكثر قوة من البداية.
لقد أصبحت اللغة العربية بين فكي كماشة، فمن جهة هي أسيرة القداسة التي وضعتها في قوالب جامدة، لا يمكن المساس بها، على اعتبار أن المساس بها هو مس بالقران نفسه، ومن جهة أخرى هي عاجزة عن مواكبة تطور اللغات الأخرى الممتلكة للتقانة، والتي تكتسح الساحة يوما بعد يوم، في حين اقتصر دور اللغة العربية في أحسن الأحوال على نقل هذه المعارف –وإن بشكل جزئي ومشوه في أغلب الأحيان- حتى وصلنا إلى مرحلة الاحتضار التي نحن على أبوابها.
إذن والحالة هذه، كيف من الممكن أن تصبح اللغة العربية إحدى اللغات الحاملة لمشعل الحضارة، للإجابة نقول أنه لابد أولا من فصل ذلك الارتباط الميكانيكي الموجود بين القداسة واللغة، من خلال القيام بنقد شامل وجذري لكل القواعد التي أقيم عليها صرح اللغة العربية، أو لنقل بعبارة أخرى القيام بإعادة تقعيد جديد للغة العربية، هذا من جهة، أما من جهة أخرى، فلابد من إعادة الاحتكاك بعلوم وثقافات الحضارات الأخرى عبر عملية ترجمة مؤسساتية ومنظمة، وفي إطار تصور شمولي واضح لمستقبل الوجود العربي.
لكن هذا الأمر لا يمكن أن يتحقق إلا بزلزال تمر منه الذات العربية، يحرك كل الثوابت والمقدسات من مكانها، لكنه في المقابل يعيد ترتيبها ويضمن استمراريتها، كما أن تحقق هذا الأمر مرتبط بتنازل السلطة الدينية والسياسية في الوطن العربي، وقبولهما فقدان وصايتهما على المجال الديني واللغوي من اجل إعادة التأسيس لفكر جديد، ولغة تستمر في مواجهة العواصف التي تحيط بها.

ليست هناك تعليقات: