أخبار اليوم

الاثنين، 28 ديسمبر، 2009

التل الأبيض

واقفا فوق التل، يرنو ببصره نحو الجزيرة الحمراء ذات التل الأبيض، حيث تتحقق الأحلام، و من يذهب لا يعود، من سنين خلت و هو يقيس المسافة بعينيه، و يجهز قاربا في خياله، و يبحر ليحقق أحلامه، كل يوم من طلوع الفجر إلى الغروب كان برحل ليعود، و يعود يرحل.

و ذات يوم خطر له أن يبحر و لا يعود، قرر أن يحقق الحلم، تهاطلت الافكار على جمجمته الصغيرة، و انطلق يحاول و يجرب، يصنع و يفشل، أيام مضت، أقلع عن عادة الوقوف فوق التل، لكن في لحظات اليأس كان ينتابه الحنين لعادته القديمة، حيث كل شيء يصبح سهلا، ثم يعود ليحاول و ينجح أخيرا.

و فوق التل كان يلقي النظرة الاخيرة، قبل أن يبحر إلى حلمه، تداعت صور الحوريات اللواتي سيرقصن أمامه، ليعوضنه حرمانه من ثدي أمه، و أنواع الفاكهة التي ستنسيه ليالي الجوع، تراءت أمامه أحلام الجزيرة الحمراء، و بدأت ذكريات الحرمان بالتلاشي.

و في الجزيرة حط قدميه، ألف بسمة و بسمة كانت تتسابق لتغطي ثغره، و نشوة سرت بداخله جعلته أخيرا يحس بآدميته، برغم الضباب الذي كان يكسو الجزيرة كانت في عينيه أحلى من عدن، يخطو فيها بزهو، و ثقة، و أمل، و قد انفتحت كل الشعب أمامه، و تفرقت الأشجار المتعانقة لتفسح له المجال للمرور، احساس بالكسروية يغمره من رأسه حتى قدميه، و قد أصبح سيدا للاقنان، انسحبت إلى الوراء ذكريات العبودية التي عرفها في صباه.

يصل إلى وسط الجزيرة حيث التل الأبيض شامخا، سرت بجسده قشعريرة، اختلطت المشاعر بداخله، انغلقت بؤبؤتا عينيه ثم انفتحتا، و جلس إلى الأرض منتظرا أن يتخص من صدمة المفاجأة، حيث آلاف الهياكل العظمية تملأ المكان، تكومت فوق بعضها البعض، و الزمن قد ترك علاماته عليها، الآن فقط فهم سر التل الأبيض، تبددت كل الصور الجميلة من بين عينيه، تحرك خطوة إلى الوراء، تعانقت الأشجار، انسدت السبل امامه، و سقط تاج كسرى عن رأسه.

عاد شبح القن ليحاصره، ركع أمام التل الأبيض و أصبح خادما للهياكل العظمية، آنذاك فقط عرف أنه ذهب و لن يعود.

ليست هناك تعليقات: