أخبار اليوم

السبت، 26 ديسمبر، 2009

دولة الرسول: دينية أم مدنية؟؟

شكلت هجرة الرسول (ص) نحو يثرب محطة نوعية، إذ أعلنت عن ميلاد مشروع دولة بمميزات خاصة، و هو الأمر الذي جسدته خطوات عدة قام بها محمد (ص)، كان من بينها تغيير اسم يثرب إلى المدينة – سبق و أن توقفنا عند دلالات هذا التغيير في مقالنا المنشور بمنتدى الأحداث يوم الجمعة 05 دجنبر 2008 بعنوان: "فتح مكة و الفصل بين السلطتين"- و التي تلتها خطوة أهم و أعمق عرفت بصحيفة المدينة، و هي تلك الوثيقة التي عقدها الرسول (ص) مع كافة الأطياف المتواجدة بالمدينة (أوس، خزرج، يهود...)، و التي حددت واجبات كل طرف و حقوقه، و قبل أن نتوقف عند أهم بنودها فإنه من الضروري أن نتساءل حول سبب اختيار محمد (ص) يثرب ليهاجر إليها؟، و لمحاولة الإجابة لا بد من استحضار معطيان أساسيان:

أولا: إذا كان احتضان قريش للكعبة قد جلب لها احترام بعض القبائل العربية، فإنه و بلا شك سيجلب نقمة البعض الآخر، و يمكن لنا أن ندرج محاولة أبرهة الحبشي تهديم الكعبة في هذا الإطار،التي و برغم فشلها إلا أنها و بلا شك قد خلقت تطلعا عند بعض القبائل العربية لإزاحة قريش من موقعها. و بالتأكيد أن ظهور نبي جديد كان سيدفع أكثر من قبيلة لتأييده حتى تحول مركز السيادة إليها، و هذا ما سيحدث في فترة لاحقة مع مسيلمة الكذاب، حيث سيؤيده الكثيرون -رغم اقتناعهم ببطلان ادعائه للنبوة- لسحب البساط من تحت أقدام قريش. فلماذا حدث العكس مع محمد (ص)؟، و رفضت أغلب القبائل دعوته عندما كان يعرض نفسه عليهم؟.

يبدو أنه من الصعب تقديم جواب قطعي، لكن في اعتقادنا الشخصي، أنه من الضروري وضع الروايات التي تتحدث عن هذه الفترة موضع شك بسبب ما يطبعها من مؤثرات درامية، ذلك أنه و في ظل خريطة قبلية معقدة بالشكل الذي كانت عليه في شبه الجزيرة، لم يكن من الصعب على الرسول (ص) أن يقيم تحالفات قبلية في مواجهة قريش، إلا إذا كان هو يرفض هذا الأمر، لأنه لم يكن يبحث عن مجرد تحالف قبلي عادي، بل كان يبحث عن شيء آخر مختلف لا يوجد إلا في يثرب، و هذا ما يقودنا للمعطى الثاني.

ثانيا: كان النظام القبلي هو الطابع السائد في شبه الجزيرة العربية، و لكن يثرب لم تكن قبيلة بالمعنى الحرفي لهذه الكلمة، و لم تصل إلى درجة المدينة، بل كانت في منزلة بين المنزلتين. غير أن واحدا من أهم مميزاتها هو ذلك الغنى الذي كان يطبع تركيبتها البشرية بسبب تراكمات تاريخية متعددة، لا مجال للخوض فيها الآن، لكنها –يثرب- في الآن نفسه كانت مفتقدة لأي سلطة منظمة للعلاقات بين أفرادها، و هذا ما يفسر سبب المعارك التي كانت تندلع بين الأوس و الخزرج بشكل متكرر.

و بالتأكيد أنه في ظل هذه الوضعية لا بد أن ترنو عيون سكان يثرب نحو سلطة محايدة تقوم بتنظيم علاقات وضمان حقوق كافة الأفراد داخلها، و هو ما يعني ضرورة قدومها من خارج يثرب. هذا التطلع إضافة إلى ما كان يروجه اليهود عن قرب ظهور نبي جديد فيها، سيجعل البنية النفسية لسكانها–يثرب- مستعدة و متلهفة لاستقبال الوافد الجديد.

نخلص من خلال ما سبق إلى أن اختيار الرسول (ص) يثرب ليهاجر إليها لم يأت كنتيجة للروايات الدرامية التي قدمتها لنا المصادر الإسلامية، و إنما لكونه –محمد (ص)- قد وجد فيها ذلك المجتمع الذي ينشده و القائم على التعدد، الاختلاف، التنوع، و الحاجة لسلطة تقوده. و هو الأمر الذي سيظهر فيما عرف بصحيفة المدينة، و التي جاءت لتضع أسس مشروع الدولة الجديدة.

و لعل أول ما يلفت الانتباه في صحيفة المدينة هو تمثيلها لكافة الأطياف المتواجدة بها (المهاجرون، الأوس، الخزرج، اليهود ...)، مع خلوها من أي تمييز بينهم على أساس الدين أو اللون أو الجنس، أو تمييز المسلمين عن غيرهم في الحقوق و الواجبات. كما لم تتم الإشارة إلى الإسلام كدين رسمي أو أنه يحضى بمكانة متميزة مقارنة مع باقي الأديان –اليهودية بشكل خاص- داخل دولة المدينة. بل على العكس من ذلك نجد بنودا في الصحيفة تنص صراحة على تساوي كافة الأديان داخل الدولة، من خلال التصريح بأن "لليهود دينهم و للمسلمين دينهم، مواليهم و أنفسهم، إلا من ظلم و أثم فإنه لا يوتغ (لا يهلك) إلا نفسه و أهل بيته"، أو ما ورد في بند آخر "الجار كالنفس غير مضار و لا آثم". و هذه البنود تعلن صراحة على أن الدولة لكل المواطنين، و أن الدين يبقى علاقة شخصية بين الخالق و عبده، شرط مراعاة المصلحة العامة و احترام الآخر.

و إذا كان من الصعب استعراض كافة بنود الصحيفة، فإننا نود التأكيد على أن ما تنظر إليه المصادر الإسلامية على أنه تسامح و مؤاخاة من الرسول (ص) تجاه الآخر -اليهود بصفة خاصة-، يتجاوز ذلك بكثير إذ هو في حقيقته وضع لأسس دولة المواطن أيا كان دينه أو معتقده، مع ضمان سير عادي للحياة داخل الدولة، و يكفي أن نذكر أن الرسول (ص) توفي و درعه مرهونة عند يهودي، و هو ما يحتمل أكثر من قراءة و دلالة.

و بذلك يكون محمد (ص) قد أحدث نقلة نوعية في مفهوم الدولة، ناقلا إياها من القبيلة القائمة على روابط محددة إلى دولة المدينة المفتوحة لكل الأديان و المعتقدات، و التي ناموسها الأساسي هو مراعاة المصلحة العامة، إن دولة الرسول (ص) التي يرى الكثيرون أنها قامت على الدين، و أنها دولة دينية، هي في الواقع نقيض ذلك، إذ هي دولة مدنية تفصل بين ما هو ديني و ما هو سياسي فصلا يكاد يكون جذريا، و تكثر الشواهد في هذا الصدد و التي سنخصص لها مساهمات قادمة.

يــوســف الـمـسـاتـي

ليست هناك تعليقات: