أخبار اليوم

السبت، 26 ديسمبر، 2009

سلاح النكتة

كثيرون هم من ينظرون إلى النكتة على اعتبار أنها مجرد وسيلة هدفها الترفيه و التسلية، هذه النظرة في الواقع اختزالية و تبسيطية لظاهرة معقدة تسمى "النكتة"، فهي تتجاوز هذا الإطار الضيق الذي يضعها فيه أغلب الناس لتصيح وسيلة من وسائل النقد الاجتماعي و السياسي، تسلط عصاها على مظاهر الانحراف الاجتماعي، إنها "أداة تدميرية" لأنها اتخذت السخرية كأداة للنقد.

لقد احتفظت ذاكرة التراث العربي بمؤلفات جعلت النكتة وسيلة لها، و صنعت شخصيات كانت تبدو في الواقع، أنها مجرد شخوص مضحكة لكنها في الواقع كانت ذات حمولات سياسية و اجتماعية من الحجم الثقيل، فمن منا لم يقرأ أو على الاقل يسمع بكتاب الجاحظ "البخلاء" و الذي سلط فيه سهام النقد على هذه الفئة الاجتماعية بنكت جعلتهم و إلى يومنا هذا أضحوكة، هذا الكتاب أنموذج في النقد الاجتماعي عبر النكتة. و من منا لم يسمع "بقراقوش" و حكايته، لقد كان هذا الأخير شخصية واقعية، وجهت إليه سهام النقد عبر النكت و الطرائف، لتمثل لنا بذلك النكتة وسيلة من وسائل المعارضة السياسية.

و تبقى شخصية "جحا" أهم ما أنجز التراث العربي، لقد اكتسبت هذه الشخصية أبعادا كبيرة، فلم تعد متعلقة بقطر أو رقعة جغرافية معينة، جحا هو تمثيل للمواطن العربي المقهور، في مواجهة كل الانحرافات الاجتماعية. إن المتأمل لحكاياته، يجدها متجاوزة لكل القوالب التي وضعت فيها شخصيات أخرى، كارتباط قراقوش بالقضاء مثلا...، فحكايات جحا تتناول كل الشرائح الاجتماعية بدءا من المواطن الفقير وصولا إلى الحاكم المستبد مرورا بالمثقفين و القضاة و الأغبياء و اللصوص ...الخ.

و يمكن لنا القول أن النكتة السياسية هي من أبرز أنواع النكت و أكثرها انتشارا على امتداد رقعة الوطن العربي الإسلامي، و قد عرفت أوج امتدادها أثناء فترة الاحباطات و الانتكاسات، إنها وسيلة احتجاج سهلة و "مدمرة" في الآن نفسه، دون حاجة إلى الاصطدام بالنظم المسيرة و التي تشكل موضوع السخرية، و هذا هو ما ساعدها على الانتشار، حيث أنها وسيلة شعبوية، تجاوزت نخبوية المثقف، و سلاح الثوار،و مكر السياسيين،فهي إذا ذلك السلاح الذي حمله المواطن المقهور في مواجهة الاستبداد و الانحراف بكل أشكاله و ألوانه.

و لعله من المؤسف أنه لم توجد لحد الآن دراسة وافية للنكت في العالم العربي الإسلامي باستثناء بعض الشذرات المتفرقة هنا و هناك، أو بعض المحاولات التي لم تسبر أغوار الموضوع بما يقتضيه الأمر من بعد نظر إما خوفا أو عجزا، أو هما معا. لذا سنحاول عبر هذه الحلقات الإحاطة ببعض جوانب النكتة بجميع أشكاله عبر محاولة دراسة و تحليل نكت و طرائف من مناطق متباينة، و ذات حمولات متعددة، لمحاولة استبطان دلالاتها الضمنية، كيف سخر المواطن العربي من كل شيء بالبسمة، و حتى من نفسه.

ما أقسى النكتة و ما أجملها حين تصبح سلاحا.

ليست هناك تعليقات: